حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

266

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

تصحبهم بما تحب أن يصحبوك به . وقيل : هو رسول وكتاب بدليل وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا [ البقرة : 39 ] في مقابلة فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ في الإقدام على ما يلزم والإحجام عما يحرم فإنه سيصير إلى حالة لا خوف فيها ولا حزن . وهذه الجملة مع اختصارها تجمع شيئا كثيرا من المعاني ، لأن قوله فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً دخل فيه الإنعام بجميع الأدلة العقلية والشرعية وزيادة البيان ، وجميع ما لا يتم ذلك إلا به من العقل ووجوه التمكين . وجمع قوله فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ تأمل الأدلة بحقها والنظر فيها واستنتاج المعارف منها والعمل بها ، وجمع قوله فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ جميع ما أعد اللّه تعالى لأوليائه ، لأن الخوف ألم يحصل للنفس من توقع مكروه ، أو انتظار محذور ، وزواله يتضمن السلامة من جميع الآفات . والحزن ألم يعرض للنفس لفقد محبوب أو فوات مطلوب ، ونفيه يقتضي الوصول إلى كل اللذات والمرادات . وإنما قدم عدم الخوف على عدم الحزن لأن زوال ما لا ينبغي مقدم على حصول ما ينبغي ، وهذا يدل على أن المكلف الذي أطاع اللّه تعالى لا يلحقه خوف عند الموت ، ولا في القبر ، ولا عند البعث ، ولا عند حضور الموقف ، ولا عند تطاير الكتب ، ولا عند نصب الميزان ، ولا عند الصراط إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ [ فصلت : 30 ] وقال قوم من المتكلمين : إن أهوال يوم القيامة تعم الكفار والفساق والمؤمنين بدليل قوله تعالى يَوْمَ تَرَوْنَها تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها وَتَرَى النَّاسَ سُكارى وَما هُمْ بِسُكارى [ الحج : 2 ] فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً [ المزمل : 17 ] يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ [ المائدة : 109 ] فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ [ الأعراف : 6 ] وفي الحديث « تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم كمقدار ميل ، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق فمنهم من يكون إلى كعبه ، ومنهم من يكون إلى ركبتيه ، ومنهم من يكون إلى حقويه ، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما ، وأشار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بيده إلى فيه » « 1 » . وحديث الشفاعة وقول كل نبي « نفسي نفسي » إلا نبينا صلى اللّه عليه وسلم فإنه يقول : أمتي أمتي مشهور . قلت : لا ريب أن وعد اللّه حق ، فمن وعده الأمن يكون آمنا لا محالة ، إلا أن الإنسان خلق ضعيفا لا يستيقن الأمن الكلي ما لم يصل إلى الجنة ، لأنه لا يطمئن قلبه ما لم ينضم له إلى علم اليقين عين اليقين ، وأيضا إن جلال اللّه وعظمته يدهش الإنسان برا كان أو

--> ( 1 ) رواه أحمد في مسنده ( 4 / 157 ) ( 5 / 254 ) .